الشيخ عبد الغني النابلسي

101

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

( كنت سمعه ) الذي يسمع به ( وبصره ) الذي يبصر به » إلى آخر الحديث « 1 » . ولا شك أن السمع والبصر من الصورة الباطنة ، لأن ذلك من شعاع الروح في الدماغ لا من الصورة الظاهرة والأذن والعين من الصورة الظاهرة واللّه تعالى ( ما قال كنت عينه و ) لا كنت ( أذنه ) ، فإن قلت ورد أيضا في تمام الحديث : كنت يده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولسانه الذي يتكلم به ولا شك أن اليد والرجل واللسان من جملة الصورة الظاهرة قلت : المراد باليد والرجل واللسان هنا القوّة الباطنة في هذه الأعضاء لا حقيقة هذه الأعضاء ، ولكن لما لم يكن لهذه القوّة المودعة في هذه الأعضاء أسماء مستقلة غير هذه الأعضاء ، عبر عنها باسم هذه الأعضاء ، بخلاف الأذن والعين فإن للقوة المودعة فيهما اسمين مخصوصين هما : السمع والبصر ، فعبر بذلك دون التعبير بهذين العضوين ، أو يقال هذا الحديث مشتمل على الفرق بين الصورتين في ذكر السمع والبصر ، والجمع بينهما في ذكر اليد والرجل واللسان ، مثل قوله عليه السلام في بعض الأحاديث بعد ذكر اليد اليمنى وكلتا يديه يمين ، ففرق وجمع يشير إلى هذا قوله : ( ففرق ) ، أي اللّه تعالى ( بين الصورتين ) ، أي صورة العالم وصورته تعالى في ذكر السمع والبصر فقط وإن جمع في باقي الحديث . ( وهكذا هو ) ، أي الأمر والشأن ( في كل موجود من ) موجودات ( العالم ) العلوي والسفلي ، فإن اللّه تعالى خلقه بإحدى اليدين إما اليمين وإما الشمال ( بقدر ما تطلبه حقيقة ذلك الموجود ) من الاستعداد الموضوع فيها بالتجلي الأوّل ( لكن ليس لأحد ) من العالم ( مجموع ما للخليفة ) ، من اليدين الإلهيتين اللتين هما صورة الحق تعالى وصورة العالم ، وإن شئت قلت : صفات اللّه تعالى المتقابلات ( فما فاز ) الخليفة ( إلا بالمجموع ) دون غيره من العالم . * * * ولولا سريان الحقّ في الموجودات وظهوره فيها بالصّورة ما كان للعالم

--> ( 1 ) ونصه كاملا هو : عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه قال : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب مما افترضت عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وإن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه ، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته » . رواه البخاري في صحيحه ، باب التواضع ، حديث رقم ( 6137 ) [ 5 / 2384 ] . والحديث رواه أيضا غير البخاري